سيد محمد طنطاوي
113
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فعبر عنها بقوله : * ( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيه فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّه ) * . قال الآلوسي : « وقوله * ( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ ) * . . ألخ . . بدل من قوله * ( أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ) * أو من * ( بِآيَةٍ ) * أو منصوب على المفعولية لمحذوف أي أعنى أنى أخلق لكم . . أو مرفوع على أنه خبر لمقدر أي أنى قد جئتكم بآية من ربكم هي أنى أخلق لكم . وقرأ نافع بكسر الهمزة على الاستئناف ، والمراد بالخلق التصوير والإبراز على مقدار معين لا الإيجاد من العدم » « 1 » . والمعنى أن عيسى - عليه السّلام - قد حكى اللَّه - عنه أنه قال لبنى إسرائيل : لقد أرسلني اللَّه إليكم لأبلغكم دعوته ، ولآمركم بإخلاص العبادة له ، وقد أعطاني - سبحانه - من المعجزات ما يقنعكم بصدقى فيما أبلغه عن ربي ، ومن بين هذه المعجزات أنى أقدر على أن أصور لكم من الطين شيئا صورته مثل صورة الطير ، فأنفخ في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فيكون طيرا حقيقيا ذا حياة بإذن اللَّه أي بأمره وإرادته . فأنت ترى أن الجملة الكريمة قد اشتملت على ثلاثة أعمال : ثنتان منهما لعيسى وهما تصوير الطين كهيئة الطير ثم النفخ فيه . أما الثالث فهو من صنع اللَّه - تعالى - وحده ألا وهو خلق الحياة في هذه الصورة التي صورها عيسى ونفخ فيها . وهذا يدل دلالة واضحة على أنه ليس في عيسى ألوهية ولا أي معنى من معانيها . ولذا حكى اللَّه - تعالى - عنه أنه قال : * ( بِإِذْنِ اللَّه ) * . أي أنى ما فعلت الذي فعلته إلا بإذن اللَّه وأمره وإرادته وتيسيره ، واللام في قوله * ( لَكُمْ ) * للتعليل أي أصور لأجل هدايتكم وتصديقكم بي . والكاف في قوله * ( كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ) * بمعنى مثل وهي نعت لمفعول محذوف أي أخلق شيئا مثل هيئة الطير ، والهيئة هي الصورة والكيفية . والضمير في قوله * ( فَأَنْفُخُ فِيه ) * يعود إلى هذا المفعول المحذوف . وقوله * ( بِإِذْنِ اللَّه ) * متعلق بيكون ، وجئ به لإظهار العبودية ، ونفى توهم أن يكون عيسى أو غيره شريكا اللَّه في خلق الكائنات . وأما النوع الثاني والثالث والرابع من المعجزات فقد حكاه القرآن في قوله - تعالى - * ( وأُبْرِئُ ) * أي أشفي يقال : برأ المريض يبرأ أو يبرؤ برءا وبروءا إذا شفى من مرضه . والأكمه : هو الذي يولد أعمى . يقال كمه كمها إذا ولد أعمى ، فهو أكمه وامرأة كمهاء .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 3 ص 167 .